الشوكاني
516
فتح القدير
قيل والواحد يدخل في الأحد والأحد لا يدخل فيه فإذا قلت لا يقاومه واحد جاز أن يقال لكنه يقاومه اثنان بخلاف قولك لا يقاومه أحد . وفرق ثعلب بين واحد وبين أحد بأن الواحد يدخل في العدد ، وأحد لا يدخل فيه . ورد عليه أبو حيان بأنه يقال أحد وعشرون ونحوه فقد دخله العدد ، وهذا كما ترى ، ومن جملة القائلين بالقلب الخليل . قرأ الجمهور " قل هو الله أحد " بإثبات قل . وقرأ عبد الله بن مسعود وأبى " الله أحد " بدون قل . وقرأ الأعمش " قل هو الله الواحد " وقرأ الجمهور بتنوين أحد ، وهو الأصل . وقرأ زيد بن علي وأبان بن عثمان وابن أبي إسحاق والحسن وأبو السماك وأبو عمرو في رواية عنه بحذف التنوين للخفة كما في قول الشاعر : عمرو الذي هشم الثريد لقومه * ورجال مكة مسنتون عجاف وقيل إن ترك التنوين لملاقاته لام التعريف ، فيكون الترك لأجل الفرار من التقاء الساكنين . ويجاب عنه بأن الفرار من التقاء الساكنين قد حصل مع التنوين بتحريك الأول منهما بالكسر ( الله الصمد ) الاسم الشريف مبتدأ ، والصمد خبره ، والصمد هو الذي يصمد إليه في الحاجات : أي يقصد لكونه قادرا على قضائها ، فهو فعل بمعنى مفعول كالقبض بمعنى المقبوض لأنه مصمود إليه : أي مقصود إليه ، قال الزجاج : الصمد السند الذي انتهى إليه السودد فلا سيد فوقه . قال الشاعر : ألا بكر الناعي بخير بني أسد * بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد وقيل معنى الصمد : الدائم الباقي الذي لم يزل ولا يزول . وقيل معنى الصمد ما ذكر بعده من أنه الذي لم يلد ولم يولد . وقيل هو المستغنى عن كل أحد ، والمحتاج إليه كل أحد . وقيل هو المقصود في الرغائب والمستعان به في المصائب ، وهذان القولان يرجعان إلى معنى القول الأول . وقيل هو الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد . وقيل هو الكامل الذي لا عيب فيه . وقال الحسن وعكرمة والضحاك وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب ومجاهد وعبد الله ابن بريدة وعطاء وعطية العوفي والسدي : الصمد هو المصمت الذي لا جوف له ، ومنه قول الشاعر : شهاب حروب لا تزال جياده * عوابس يعلكن الشكيم المصمدا وهذا لا ينافي القول الأول لجواز أن يكون هذا أصل معنى الصمد ، ثم استعمل في السيد المصمود إليه في الحوائج ، ولهذا أطبق على القول الأول أهل اللغة وجمهور أهل التفسير ، ومنه قول الشاعر : علوته بحسام ثم قلت له * خذها حذيف فأنت السيد الصمد وقال الزبرقان بن بدر : سيروا جميعا بنصف الليل واعتمدوا * ولا رهينة إلا سيد صمد وتكرير الاسم الجليل للإشعار بأن من لم يتصف بذلك فهو بمعزل عن استحقاق الألوهية ، وحذف العاطف من هذه الجملة لأنها كالنتيجة للجملة الأولى ، وقيل إن الصمد صفة للاسم الشريف والخبر هو ما بعده ، والأول أولى لأن السياق يقتضي استقلال كل جمله ( لم يلد ولم يولد ) أي لم يصدر عنه ولد ، ولم يصدر هو عن شئ ، لأنه لا يجانسه شئ ولاستحالة نسبة العدم إليه سابقا ولاحقا . قال قتادة : إن مشركي العرب قالوا : الملائكة بنات الله . وقالت اليهود : عزيز ابن الله . وقالت النصارى : المسيح ابن الله فأكذبهم الله فقال ( لم يلد ولم يولد ) قال الرازي : قدم ذكر نفى الولد مع أن الولد مقدم للاهتمام لأجل ما كان يقوله الكفار من المشركين : إن الملائكة بنات الله ، واليهود : عزيز ابن الله ، والنصارى : المسيح ابن الله ، ولم يدع أحد أن لا له والدا ، فلهذا السبب بدأ بالأهم